عين القضاة

مقدمة 80

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

في البدن وعوارضه ، وذلك مثل كونها مدركة ومحركة ، وهاتان صفتان يشترك فيهما جميع الحيوانات . وأما ما أدرك من بقائها بعد انقطاع تصرّفها عن البدن فإنما عرف ذلك من طريق النظر في الإدراك العلمي من حيث أن النفس محل العلوم ، وأن العلوم لا تنقسم ، فلا يتصوّر انقسام محلها ، وأن كل ما كان كذلك فلا سبيل اليه للفناء . وأما حكمهم بوجودها قبل البدن ، فلم يقم عليه أحد برهانا واضحا بحيث لا يتطرق اليه شبهة وشك . وكان تقصير العلماء في ذلك يرجع إلى ضيق اللفظ عن أداء حق ذلك المعنى . وأما حكمهم بأنها وجدت مع البدن وأن البدن كان شرطا في وجودها من علتها الموجبة للوجود فهو خطأ . نعم تغيّر حالها عند خلو البدن معلوم . والحق أن النفس كانت موجودة قبل البدن وهذا عندي واضح ولكنني لا يمكنني التعبير عنه بحيث لا يبقى فيه امكان شك ومجال اعتراض . وغالب ظني أن كل من أدرك ذلك كان بهذه المنزلة في العجز عن التعبير عما ادركه . واعتقادي هذا في النفس لم يحصل لي بكماله من النظر في البراهين العقلية والمقدمات العلمية ؛ إلا أن السلوك العقلي أعانني فيه غاية الإعانة بالمقدمات المذكورة في كتب النظار ، والقدر الذي يمكن ان توشح به هذه اللمعة ان سبب وجود النفس كان بكمال السببيّة موجودا قبل وجود البدن ، وكان السبب وكان المسبّب معه . نعم تصرفها في البدن كان موقوفا على وجود شروط مخصوصة فلم يوجد إلّا بعد وجود تلك الشروط . الفصل السابع والسبعون ( تتمة الفصل السابق ) معلوم أن النفس حادثة وباقية ابدا بعد الموت ؛ وليس ذلك إلا أن سببها يبقى